المحاصصة : مُتْخَمٌ يقسُو على جائع / عبيد ولد إميجن

سبت, 20/01/2018 - 14:05

تأسست موريتانيا على انقاض محاصصة عرفيـة أقـرها مؤتمر ألاكْـ (1958) أما طرفاها الأساسيان فهم القبائل البولارية والبيظانية وللآخرين نصيب معلـوم، لـم يدم احترام هذا الاتفاق طويلا فقـد اجهز عليه انقلاب 1978 المشؤوم كما عصفت بمضامينه أحداث سنوات الجمر والنار (1987 وحتى 1991)، وابتداء من هـذا التاريـخ دخـل لحراطين المحاصصة الحكومية (في المتوسط وزيزان الى ثلاث في كل تشكلة حكومية) كما دعم الحزب الجمهوري

 دخول نواب من هذه الشريحة الى قبة البرلمان الموريتاني. ويمكـن ان نقول ان الدستور اقـر هـو الآخر محاصصة عرفية تجعل من رئيس مجلس الشيوخ بولاريا ثم فيما بعد صار رئيس الجمعية الوطنية حرطانيا أما باقي السلطات التنفيذية والتشريعية فيتم تقسيمها بناء على محاصصات جهوية وقبلية معروفة فمثلا الوزير الأول دائما يمثل حصـة المناطق الشـرق حيث أقصى ما يطمح إليه سياسيو تلك الجهة هو وظيفة المنسق العام للحكومة.. و للزوايا مناصب حصرية معلومة كوزير الشؤون الإسلامية غالبا ورئيس مجلس الفتوى والمظالم ورئيس المجلس الاسلامي الاعلى ولجنة مراقبة الأهلة.
أذا نحــن نمارس المحاصصة لكننا في نفس الوقت لا نقرها، فما هي المحاصصة؟
كتب منذ أيام قليلة احد الكتاب مقالا مفيدا اسماه : "المحاصصة ليست الحل لكن المغابنة أنكى!"، وقد اعجبني المقال كما وجدتني اتقاسم مع صاحبه كثيرا من مادته الدسمة، وعلـى كل حـال فإن المحاصصـة باتت تقليديا كلاسيكيا داخل الهيئات الحزبية والمجتمعية والنقابية وحتى الإعلامية دون أن يحول ذلك عن حدوث مغابنة ويمكننا رصد ذلك من خلال التالي :
1> اغلبية الاحزاب المهمة والمؤثرة التي تساهم بشكل عملي في الحياة السياسية والانتخابية كانت في جلها تنظيمات جهوية او عرقية و احيانا قومية ذات نشاط طابعه سياسي يتم ترقيع مكاتبها ومجالسها الوطنية بعناية لتراعي المحاصصة، وقـد يعكس انتهاج هذا المسلك الرغبة في الهيمنة وتواصل الاستدامة، وكذلك تفعـل النقابات وقد تجد مبادرة للمجتمع المدني يبحث صاحبها عن مخالف له في اللون او الجهة او العرق ليتخذه نائبا مع افضلية "الصامتين" من غير مثيري المشاكل، ولهذا طالب ميثاق لحراطين باعتماد المحاصصة التـي تركـن الى المعطيات الديمغرافية لمكونات موريتانيا.
2> مؤخرا ظهرت معايير أخرى للتعيين وهي كفيلة بإلغاء مراعاة الكفاءة والجدارة ويمكننا ان نرصد هذه الظاهرة داخل القطاعات الوزارية والمؤسسات التي توزع اداراتها المركزية غالبا على موظفين "متكاسلين" يشعـر كل واحد منهم أنه يمثل قبيلة او جهة او شريحة او عرقا معينا ومتى تم عزله يرفـع شعار حرمان مجموعته، واذا تعرض للمساءلة أو للعقاب فإنكم تعرفـون طبيعة الحملات والوقفات التي ترافق حالته، ينطبق الشيء ذاته على اختيار المرشحين في الانتخابات العامة والبلدية... الخ
ملاحظــة
هذه المعطيات والمؤشرات هـي التي دفعت بالأمم المتحدة (2004) الى مطالبة موريتانيا بتنظيم إحصاء سكاني لا يتأسس على أساس ثقافي (اللغة)، وطبعا رفضته الحكومة الموريتانية لاحقا
تطالب بالمحاصصة المجموعات المتضررة من الأحداث العرقية 1966 وسنة 1989، وهنالك مجموعات تستفيد منه حاليا وهـي المعاقين والنساء (الكوتا) ويطالب لحراطين عموما بإعمال التمييز الإيجابي ولكن ميثاق لحراطين طالب بالمحاصصة، وكان صديقي عالين سيدي امريزيك قـد جمع منشوراتـي المسماة #عبيديات تحت تسمية : متخم يقسو على جائع.
والمحاصصة كمصطلح سياسي انما يعني تقسيم كل الثروات والسلطات والمزايا الوطنية على أساس المكونات الاجتماعية حسب الاستحقاق الكمي والديمغرافي للأطراف المشاركة والممثلة فيه، وفي هذا السياق ساهم نهج المحاصصة بدور فعال في بناء بعض المجتمعات المتقدمـة حضاريا ومنها الاتحاد الاوربي الذي رسخت دولـه مبدا المحاصصة بقوانين واحكام في دستور كل بلد من بلدانها والمحاصصة على أساس ديمغرافي تمارس بشكل معقول ان لم يكن ناجحا في جنوب افريقيا. ولكن هذا النهج السياسي زاد من هوة الخلافات في دول أخـرى كالعراق ولبنان.
بالنسبة لي اعتقد ان المحاصصة لا تناسب الحالة الموريتانية ولا يمكنها ان تساعـد لحراطين خصوصا في الالتحاق بالركب بل ستجعلهم يتصارعون على الكعكة اكثر، حيث يعود الفضل في انتشار الصراعات الحالية بين زعماء لحراطين ونشطائهم الى عائدات المحاصصة التي ذاقوا طعمها اول مـرة بعيد محاكمة قادة الحـر سنة 1981.
المفهوم الموالي هو سياسـة المقايضة